يحيي بن حمزة العلوي اليمني

164

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

الاستعارات الرائقة ، فإن كان الإفراط كله يكون قبيحا فما هذا حاله مما ورد في القرآن ليس إفراطا وإن كان الإفراط منقسما إلى حسن وقبيح ، فهذا الذي ورد في القرآن من أحسنه وأعجبه ، ولنورد أمثلة الإفراط من المنظوم قال عنترة : وأنا المنية في المواطن كلّها * والطعن منى سائق الآجال ومن ذلك ما قاله بشار : إذا ما غضبنا غضبة مضريّة * هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما « 1 » ومن ذلك ما قاله النابغة الذبياني : إذا ارتعثت خاف الجبان ارتعاثها * ومن يتعلّق حيث علق يفرق « 2 » يصف امرأة بطول عنقها ، والرعاث جمع رعث وهو القرط المعلق بالأذن ومن ذلك ما قاله أبو نواس يمدح رجلا قال : وأخفت أهل الشرك حتى إنه * لتخافك النّطف التي لم تخلق « 3 » ويحكى أن العتّابى لقى أبا نواس فقال : أما خفت الله تعالى : واستحييت منه حيث تقول « وأخفت أهل الشرك » البيت فقال له أبو نواس وأنت ما راقبت الله حيث قلت : ما زلت في غمرات الموت مطّرحا * يضيق عنى وسيع الرأي من حيلى فلم تزل دائبا تسعى بلطفك لي * حتى اختلست حياتي من يدي أجلى فقال له العتابي قد علم الله وعلمت أن هذا ليس من مثل قولك ، ولكنك تعدّ لكل ناصح جوابا ، وقد أورد أبو نواس هذا المعنى في قالب آخر فقال : كثرت منادمة الدماء سيوفه * فلقلّ ما تحتازها الأجفان حتى الذي في الرّحم لم يك صورة * لفؤاده من خوفه خفقان فانظر إلى هذه المعاني ما أكذبها وما ألطفها وأرقها وأرشقها ، وكل من خرقت قرطاس سمعه فإنه يعجب منها غاية الإعجاب ، فأما أبو الطيب المتنبي . فإن له في الإفراط اليد

--> ( 1 ) البيت من الطويل ، وهو للغنوى في لسان العرب ( حجب ) ، وللقحيف بن عمير العقيلي في لسان العرب ( غشم ) ، وتاج العروس ( حجب ) ، ولبشار بن برد في ديوانه 4 / 163 ، العمدة ص 253 ، 800 . ( 2 ) البيت من الطويل ، وهو للنابغة الذبياني في ديوانه ص 181 ، وكتاب الجيم 2 / 31 . ( 3 ) ديوان أبى نواس ص 452 ، الإيضاح ص 320 ، المصباح ص 229 .